منتزهات توريا وبويو المقاومة للفيضانات: الرهان الأخضر الكبير ضد الفيضانات

  • مشروع حديقة حضرية قابلة للغمر بالمياه على ضفاف نهري توريا وبويو، بمساحة تقارب 1.500 هكتار من المساحات الخضراء.
  • تم تصميم البنية التحتية الخضراء كدفاع طبيعي ضد الفيضانات وأحداث هطول الأمطار الغزيرة، مع أكثر من 72 كم من الطرق النهرية.
  • استثمار مخطط له يتجاوز 150 مليون يورو، بتمويل عام وخاص وربما أوروبي.
  • تتماشى هذه المبادرة مع الاستراتيجيات الأوروبية لمكافحة الفيضانات وتستفيد من الدروس المستفادة في ألمانيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا.

حدائق قابلة للفيضانات في نهري توريا وبويو

طرحت حكومة فالنسيا مشروعاً طموحاً في أوروبا لـ حدائق حضرية معرضة للفيضانات على ضفاف نهري توريا وبويوتم تصميم المشروع كمشروع بنية تحتية خضراء واسع النطاق للحد من تأثير الفيضانات المستقبلية، وهو يجمع بين الحماية من الفيضانات، وإعادة تأهيل البيئة، وإنشاء مساحات عامة جديدة.

تتضمن الخطة تمكين ما حول 1.500 هكتار من المساحات الخضراء ستعمل هذه المناطق كمناطق للتحكم في الفيضانات واحتجاز المياه خلال فترات هطول الأمطار الغزيرة، كتلك التي تسببت في العاصفة المدمرة التي ضربت منطقة بلنسية أواخر أكتوبر 2024. وإلى جانب الفوائد الجمالية، يهدف المشروع إلى تحويل المنطقة إلى حاجز طبيعي حقيقي ضد فيضانات الأنهار.

شبكة من الحدائق المعرضة للفيضانات كدفاع طبيعي ضد الفيضانات

بحسب مفوض التعافي، راؤول ميريداصُممت هذه الحدائق المقاومة للفيضانات كشبكة متصلة من المساحات الخضراء حول نهري توريا وبويو، بهدف امتصاص الفيضانات وإبطاء تدفقها، مما يقلل من سرعة وكمية المياه التي تصل إلى المناطق الحضرية. وبدلاً من الاعتماد فقط على الجدران الاستنادية أو القنوات الكبيرة، يتمثل النهج في استخدام الأرض نفسها كحاجز مائي.

يخطط المشروع لنشر أكثر من 72 كيلومترًا من الطرق الخضراء والنهريةستشمل هذه المناطق مسارات للمشاة والدراجات، ومساحات طبيعية، ومناطق مُدارة للتحكم في الفيضانات. والفكرة هي أن هذه المناطق ستخدم غرضين: الحماية من الفيضانات عند فيضان النهر، وفي الظروف العادية، توفير مساحات جديدة للترفيه والتواصل مع الطبيعة لسكان المنطقة الحضرية.

تُؤطّر حكومة أيرلندا هذا الإجراء ضمن استراتيجية إقليمية شاملة "فريدة من نوعها في إسبانيا"تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز القدرة على مواجهة الظواهر الجوية المتطرفة. ويتمثل الهدف في أن تتجاوز الحلول القائمة على الطبيعة كونها مجرد عنصر مكمل، وأن تصبح عنصراً أساسياً في إدارة مخاطر الفيضانات، مكملةً بذلك البنية التحتية الهيدروليكية التقليدية.

أظهرت تجربة الفيضانات الكبرى الأخيرة في أوروبا أن وسائل الحماية من الفيضانات "الصلبة" وحدها لها حدودها؛ فعندما تكون الأمطار غزيرة بشكل استثنائي، تثبت عدم كفايتها. لذلك، يُقترح إنشاء شبكة من الحدائق المعرضة للفيضانات على طول نهري توريا وبويو كحلٍّ لهذه المشكلة. تغيير في التركيز في التخطيط الإقليميالسماح بإغراق مناطق معينة بطريقة محكمة لتجنب حدوث أضرار أكبر في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

مشروع يتماشى مع الاستراتيجيات الخضراء الأوروبية

عرض الخطة على مسؤولي حكومة بافاريا و هيئة إدارة المياه في ميونخ أتاحت الدراسة التي أجراها مكتب إدارة المياه في ميونخ (Wasserwirtschaftsamt München) مقارنة النهج المتبع في فالنسيا بالسياسات المطبقة بالفعل في مناطق أوروبية أخرى. ففي ألمانيا، تضمنت استراتيجية الوقاية من الفيضانات لسنوات طويلة سهول الفيضانات وترميم ضفاف الأنهار كعناصر أساسية للحد من المخاطر.

خلال اجتماع العمل عبر الإنترنت، أكد ميريدا أن مبادرة فالنسيا هي متوافق مع الحلول القائمة على الطبيعة والتي يتم تطبيقها في دول مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا، حيث تعلمت السلطات، نتيجة لحوادث خطيرة للغاية، أن إعادة المساحة للأنهار عنصر أساسي للتعايش مع الفيضانات.

أكد المسؤولون في فالنسيا أن التعافي بعد الفيضانات الكبرى في أوروبا، قد تستغرق هذه العملية ما يصل إلى خمس سنوات، كما هو الحال في العديد من المناطق المتضررة خلال العقد الماضي. وقد عززت هذه التجربة فكرة أن مجرد إصلاح الأضرار الموضعية غير كافٍ؛ بل يلزم إحداث تحول جذري في المنطقة، من خلال مشاريع متوسطة وطويلة الأجل تعزز القدرة على الاستجابة للأحداث المستقبلية.

وفي هذا السياق، تُعرض الحدائق المعرضة للفيضانات في نهري توريا وبويو أيضاً كشكل من أشكال التعلم من الدروس الأوروبية وتطبيقها على حالة فالنسيا. ويهدف التنسيق مع الإدارات الأخرى في القارة إلى تجنب تكرار الأخطاء والاستفادة من النماذج التي أثبتت فعاليتها في الحد من الأضرار المادية والشخصية.

لا يقتصر هذا التعاون على التبادل التقني فحسب، بل يهدف أيضاً إلى فتح الباب أمام الدعم المالي وزيادة اندماج المشروع ضمن أولويات المناخ والتكيف في الاتحاد الأوروبي، حيث أصبحت إدارة مخاطر الفيضانات إحدى الركائز الأساسية لسياسات المرونة.

استثمارات تتجاوز 150 مليوناً وتمويل مختلط

تشير تقديرات كونسيل إلى أن التطوير الكامل لهذه الشبكة من الحدائق المعرضة للفيضانات سيتطلب استثمار يزيد عن 150 مليار يوروهذا ليس إجراءً لمرة واحدة، بل هو خطة استراتيجية سيتم تنفيذها على مراحل وستجمع بين مصادر تمويل مختلفة لضمان استمراريتها مع مرور الوقت.

تقترح حكومة كاتالونيا نموذجاً مختلطاً يدمج الموارد العامة الإقليمية والولائية بمشاركة فعّالة من القطاع الخاص. ومن بين السبل المخطط لها استخدام آليات مرتبطة بتعويض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بحيث تساهم الشركات المهتمة بتحييد جزء من بصمتها الكربونية مالياً في إنشاء هذه المساحات الخضراء وصيانتها.

في غضون ذلك، تريد حكومة فالنسيا تعبئة أموال المجتمع الاستفادة من مختلف أدوات تمويل المناخ والتكيف مع الكوارث الطبيعية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي. كما ساهم التبادل مع بافاريا في دراسة الأساليب التي استخدمتها هذه الولاية الألمانية لتمويل بنيتها التحتية الخضراء في مواجهة الفيضانات.

يكمن المنطق وراء هذا النهج في أن الاستثمار الآن في الحدائق المعرضة للفيضانات يمكن تجنب التكاليف الأعلى بكثير من حيث الأضرار المادية، وتعطيل النشاط الاقتصادي، وتكاليف إعادة الإعمار عند حدوث فيضانات شديدة. علاوة على ذلك، يتم التركيز على خلق قيمة مضافة من حيث التنوع البيولوجي، وجودة الهواء، ورفاهية المواطنين.

على الرغم من ارتفاع أرقام الاستثمار، إلا أن حكومة أيرلندا الشمالية تجادل بأن الجمع بين التمويل العام والخاص والمساعدات الأوروبية يسمح لها بمعالجة أفق زمني واسع، حيث لا يقتصر العمل على عمل معزول، بل يتم ترسيخه كجزء هيكلي من النموذج الإقليمي لمنطقة فالنسيا الحضرية.

72 كيلومتراً من الممرات الخضراء والاستخدامات الحضرية الجديدة

سيكون إنشاء أحد أبرز جوانب المشروع أكثر من 72 كيلومتراً من الممرات الخضراء والنهرية حول مجاري نهري توريا وبويو. ستربط هذه الوصلات الأجزاء المنفصلة حاليًا، مما يخلق نظامًا متصلًا يسمح للناس بالتنقل سيرًا على الأقدام أو بالدراجة عبر جزء كبير من المنطقة الحضرية.

بالإضافة إلى وظيفتها الهيدروليكية، تم تصميم هذه الحدائق القابلة للغمر على النحو التالي: مساحات جديدة للترفيه والتواصل مع الطبيعةمع وجود مسارات ومناطق استراحة ومناطق مناسبة للأنشطة الخارجية، مع مراعاة دورها كمنطقة معرضة للفيضانات في حالة ارتفاع منسوب المياه. يكمن الحل في تصميم الاستخدامات والمرافق بطريقة تمكنها من تحمل الفيضانات العرضية دون التعرض لأضرار لا يمكن إصلاحها.

ويهدف التدخل أيضاً إلى تعزيز إعادة تأهيل أجزاء من النهريُعزز هذا النهج نمو الغطاء النباتي على ضفاف الأنهار، مُتكيفًا مع تغيرات تدفق المياه، ويُعيد تأهيل الموائل الطبيعية للحيوانات المرتبطة بأنهار البحر الأبيض المتوسط. وبهذه الطريقة، تهدف هذه الحدائق إلى العمل كممرات بيئية تُحسّن التواصل بين مختلف المناطق الطبيعية.

من منظور حضري، ترتبط شبكة الحدائق المعرضة للفيضانات بفكرة الـ الحزام الأخضر الحضري يربط هذا الطريق البلديات المحيطة بمدينة فالنسيا. أما من الناحية العملية، فيمكن للسكان اعتباره بنية تحتية أمنية، بالإضافة إلى كونه متنزهًا خطيًا واسعًا يمكنهم فيه المشي وممارسة الرياضة أو الاستمتاع ببساطة ببيئة طبيعية.

يهدف المشروع في نهاية المطاف إلى إثبات أنه من الممكن التوفيق بين إدارة مخاطر الفيضانات وتحسين جودة الحياة من الجيران، ومنع اعتبار المناطق المعرضة للفيضانات مجرد مناطق تضحية، وتحويلها إلى مناطق ذات قيمة ويتم استخدامها بشكل يومي.

الدروس الأوروبية والالتزام بالمرونة على المدى الطويل

بالتوازي مع عرض مشروع منتزهي توريا وبويو القابلين للغمر بالمياه على السلطات البافارية، شاركت حكومة بافاريا بنشاط في المؤتمر الدولي "التعافي بعد الفيضانات وإعادة الإعمار المرنة في أوروبا"، تم تطويرها في إطار برنامج JCAR ATTACE الأوروبي.

المدير العام للإنعاش وإعادة الإعمار، ساندرا كاستيلووالمدير العام للمياه والتنمية الريفية، لورديس بيريزأعلنوا عن الإجراءات المتخذة في منطقة بلنسية عقب موجات الأمطار الغزيرة الأخيرة. وكان الهدف من الاجتماع تبادل الخبرات، وتحليل أفضل الممارسات، والتوصل إلى توافق في الآراء بشأن التوصيات اللازمة لتسريع وتحسين عمليات إعادة الإعمار.

وقد تناولت الجلسات بالتفصيل السياسات المطبقة في مناطق في ألمانيا وبلجيكا وهولندا تأثرت هذه المناطق بفيضانات عام 2021، وكذلك حالة منطقة هوت دو فرانس في عام 2024. وقد واجهت هذه المناطق أضرارًا جسيمة في البنية التحتية والإسكان والأنشطة الاقتصادية، مما يجعلها معايير لاستخلاص الدروس للمستقبل.

إحدى الرسائل التي تكررت كثيراً في الكونغرس هي أن لا تنتهي عملية التعافي بعد الفيضانات في غضون بضعة أشهرفي العديد من المناطق الأوروبية، تمتد أعمال تجديد الأراضي وبناء القدرة على الصمود لعدة سنوات، وتتراوح المشاريع من ترميم مجرى النهر إلى نقل الأنشطة إلى مناطق أكثر أماناً.

إن الخبرة المتراكمة في هذه البلدان تعزز التزام فالنسيا بـ التخطيط طويل الأجل، حيث يتم فهم المتنزهات المعرضة للفيضانات في توريا وبويو كجزء من استراتيجية تكيف مستمرة، وليس كرد فعل لمرة واحدة بعد كارثة معينة.

بشكل عام، تتشكل شبكة الحدائق المعرضة للفيضانات على ضفاف نهري توريا وبويو لتصبح إحدى المبادرات البيئية الرئيسية لحكومة فالنسيا يهدف هذا المشروع إلى الحد من آثار الفيضانات المستقبلية، ومواءمة أفضل الممارسات الأوروبية، وتوفير مساحات خضراء جديدة للمواطنين في الوقت نفسه. ويضع هذا المشروع، بفضل مزيجه من وسائل الحماية الطبيعية من الفيضانات، وممرات الأنهار، والاستثمار طويل الأجل، والتعاون مع مناطق أخرى في أوروبا، في صميم النقاش الدائر حول كيفية تكييف المدن ومحيطها مع مناخ يزداد تطرفاً.