يشهد قطاع الطاقة في المخروط الجنوبي تحولاً جذرياً مع العرض الأخير لخارطة طريق القطاع النووي. وتحت قيادة أمانة الشؤون النووية، التي أصبحت الآن جزءاً من وزارة الاقتصاد، كشفت الحكومة عن المبادئ التوجيهية للسياسة النووية سيحدد ذلك المسار حتى عام 2026. هذه الوثيقة ليست مجرد بيان نوايا، بل هي إعادة هيكلة تسعى إلى إضفاء الطابع المهني على الإدارة، وقبل كل شيء، التخلي عن سنوات من الاستثمارات دون عوائد واضحة للتركيز على ما يولد الثروة حقًا.
يأتي هذا المقترح في وقت يشهد تغييرات عميقة، في أعقاب تغيير القيادة في شركة "نوكليوإلكتريكا أرجنتينا" (ناسا) والحاجة إلى لتحقيق التوازن في الحسابات العامة مع تعزيز قطاعٍ تتبوأ فيه البلاد بالفعل مكانةً رائدةً دوليًا، يكمن الهدف في الانتقال من مرحلة "المكانة الوطنية" إلى مرحلة "الصناعة التنافسية"، حيث يكون لكل يورو أو دولار مُستثمر مبرر اقتصادي قوي. التركيز واضح: الأرجنتين تريد التوقف عن كونها دولةً تُجري البحوث فقط، وأن تصبح... مزود عالمي للتكنولوجيا وخدمات ذات قيمة مضافة عالية.
الصادرات وأمن الطاقة من الأولويات
تتمحور الخطة الجديدة حول أربعة محاور أساسية تسعى، قبل كل شيء، إلى ضمان مساهمة قطاع الطاقة النووية بشكل مباشر في الاقتصاد. وتتمثل الأولوية القصوى في... الاستيلاء على العملات الأجنبية من خلال الصادرات في القطاعات التي تعاني من ندرة الإمدادات العالمية مع تزايد الطلب المستقبلي، لا يتعلق الأمر بالبيع لمجرد البيع، بل بتحديد تلك القطاعات المتخصصة، مثل دورة الوقود، حيث يمكن أن تُحدث القدرة الإنتاجية الأرجنتينية فرقًا مقارنةً بالمنافسين الدوليين الآخرين.
من جهة أخرى، يُنظر الآن إلى أمن الطاقة من منظور القدرة التنافسية. وقد أوضحت الحكومة أن دمج الطاقة النووية في شبكة الكهرباء الوطنية سيُقيّم بناءً على تكلفتها مقارنةً بمصادر الطاقة الأخرى، وليس على أساس الصورة المؤسسية. بعبارة أخرى، يجب أن تكون الطاقة النووية مربحة وقابلة للإرسال لضمان سلاسة عمل النظام. علاوة على ذلك، يهدف النظام إلى تحديث التدريب المتخصص، ودمجه بشكل كامل في الجامعات الوطنية، لكي يحصل الشباب الموهوبون على مسار وظيفي مباشر في الصناعة.
من حيث التموضع الجيوسياسي، يتمثل الهدف في ترسيخ الريادة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. تمتلك الأرجنتين ميزة تقنية فريدة في المنطقة بفضل إتقانها جميع مراحل الدورة النووية، وهي فرصة لا تريد تفويتها. الفكرة هي هيكلة عرض تصدير قوي يشمل ذلك كل شيء بدءًا من التشخيص الطبي وحتى التعقيم الصناعي أو التدريب التقني، مستفيدًا من التقارب الثقافي والاعتراف التاريخي الذي يتمتعون به بالفعل في هذه البلدان المجاورة، على غرار التحديات التي تواجهها توليد الطاقة النووية في كولومبيا.
مفاعل RA-10 وتمديد عمر مفاعل أتوتشا 1
المشاريع الاستراتيجية تحت الأضواء
إذا كان هناك اسم واحد يُحدث ضجة في هذه المرحلة الجديدة، فهو مفاعل RA-10 الأرجنتيني متعدد الأغراض. يقع هذا المشروع في إيزيزا، ويُعتبر جوهرة التاج لـ لاستعادة دور قيادي في سوق النظائر المشعة الطبية. ومن المثير للاهتمام أن الهيئة الوطنية للطاقة الذرية لن تتولى تشغيلها بشكل مباشر؛ بل تعتزم شركة متخصصة أن تتولى زمام المبادرة لزيادة الإنتاج إلى أقصى حد وضمان وصول المنتجات إلى المراكز الطبية في جميع أنحاء العالم مع الحفاظ على صلاحيتها.
ومن المواضيع الساخنة الأخرى تمديد العمر التشغيلي لمحطة أتوتشا 1 للطاقة النووية، والمقرر إنجازه في صيف عام 2027. وتُعتبر هذه الخطوة بمثابة فرصة عمل دوليةيمكن تصدير الخبرات التي يكتسبها الفنيون المحليون كخدمة لإدارة المشاريع إلى دول أخرى تحتاج إلى تمديد عمر مفاعلاتها النووية. وباختصار، يتعلق الأمر ببيع المعرفة الأرجنتينية للدول التي تتطلع مجدداً إلى الطاقة النووية لتلبية احتياجاتها من الطاقة. أهداف إزالة الكربون.
القفزة إلى أوروبا والتحالف مع القطاع الخاص
لا تقتصر هذه الاستراتيجية على الأمريكتين فحسب، بل إنها تُقيم جسورًا مع أوروبا بالفعل. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك التوسع الأخير لشركات المعادن المتخصصة من سان فرانسيسكو في بلغاريا. فهذه الدولة الأوروبية تُوسّع بنيتها التحتية النووية بمساعدة شركات عملاقة مثل وستنجهاوس، وقد تمكنت الشركات الأرجنتينية من ترسيخ وجودها هناك. مقدمو خدمات مؤهلون ذوو مستوى عالٍ من التعقيديُظهر هذا النوع من الشراكة أن الهندسة في البلاد تضاهي أعلى المعايير العالمية، في سياق حيث تواجه إسبانيا وأوروبا تحدياً جديداً في مجال الطاقة النووية.
علاوة على ذلك، يُطلب من القطاع الخاص أن يضطلع بدور لم يسبق له مثيل. ستساهم الدولة في البحث والتطوير الأساسيين من خلال الهيئة الوطنية للبحوث الاقتصادية، ولكنها ستكون... الشركات التي تستثمر رأس المال وتتحمل المخاطر التجارية. ويسعى هذا التضافر إلى كسر منطق وجوب تمويل الدولة لكل شيء إلى أجل غير مسمى. حتى المنظمات الدولية مثل البنك الدولي وبنك التصدير والاستيراد الأمريكي بدأت تنظر بإيجابية إلى تمويل هذه المشاريع، لا سيما في مجال المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs).
يهدف هذا التحول في نهاية المطاف إلى تحويل القطاع من الاعتماد على الوعود المستقبلية إلى تحقيق نتائج ملموسة اليوم. ومن خلال تركيز الجهود على ما هو قائم بالفعل وله سوق، مثل إنتاج عناصر الوقود أو الطب النووي، تأمل الأرجنتين ليس فقط في الحفاظ على سيادتها التكنولوجية، بل أيضاً في تحويلها إلى محرك اقتصادي حقيقي. وسيعتمد نجاح هذه الخطة الجديدة على قدرة جذب استثمارات مستقرة وأن القطاع الخاص يشعر بالراحة في العمل ضمن إطار من الشفافية والنتائج القابلة للتحقق مما يضع البلاد في طليعة الطاقة النظيفة في القرن الحادي والعشرين.

